محمد الحفناوي
166
تعريف الخلف برجال السلف
مشقة ، ثم يقافص الوقت فيها ، ويوقعها دفعة متبعا إياها زعقة التكبير ، برجفة ينبو عنها سمع من لم تؤنسه بها العادة ، بما هو دليل على حسن المعاملة ، وإرسال السجية ، قديم النعمة متصل الخيرية ، مكبّ على النظر والدرس والقراءة ، معلوم الصيانة والعدالة ، منصف في المذاكرة ، حاسر للذراع عند المباحثة ، راحب عن الصدر في وطيس المناقشة ، غير مخطار للقرن ، ولا ضنان بالفائدة ، كثير الالتفات ، منقلب الحدقة ، جهير بالحجة بعيد عن المراء والمباهتة ، قائل بفضل أولي الفضل من الطلبة ، يقوم أتم القيام على العربية والفقه والتفسير ، ويحفظ الحديث والتاريخ والأخبار والآداب ، ويشارك مشاركة فاضلة في الأصلين والجدل والمنطق ، ويكتب ويشعر مصيبا غرض الإجادة ، ويتكلم في طريقة الصوفية كلام أرباب المقال ، ويعتني بالتدوين فيها . شرّق وحجّ ولقي جلّة ، وألف رحلة مفيدة ، ثم عاد إلى بلده فأقرأ به ، وانقطع إلى خدمة العلم ، فلما ولي ملك المغرب السلطان محالف الصنع ونشيدة الملك ، وأثير اللّه من بين القرابة والإخوة أمير المؤمنين أبو عنان اجتذبه وخلطه بنفسه ، واشتمل عليه وولاه قضاء الجماعة بمدينة فاس ، فاستقل بذلك أعظم الاستقلال ، وأنفذ الحق وألان الكلمة ، وآثر التسديد وحمل الكلّ وخفض الجناح ، فحسنت عنه القالة وأحبته الخاصة والعامة ، حضرت بعض مجالسه للحكم فرأيت من صبره على اللدد ، وتأنيه للحجج ، ورفقه بالخصوم ، ما قضيت منه العجب ، ( دخوله غرناطة ) : ثم لما أخر عن القضاء استعمل بعد لأي في الرسالة فوصل الأندلس أوائل جمادى الثانية من عام سبعة [ 111 ] وخمسين وسبع مائة ( 757 ) ، فلما قضى غرض رسالته وأبرم عقد وجهته واحتل مالقة في منصرفه بدا له في نبذ الكلفة واطراح وظيفة الخدمة ، وحل التقيد إلى ملازمة الإمرة ، فتقاعد وشهر غرضه ، وبث في الانتقال طمع من كان صحبته ، وأقبل على شأنه ، فخلى بينه وبين همه ، وترك ما انتحله من